الشيخ السبحاني
130
بحوث في الملل والنحل
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » لا جميع ما وقع بعدها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والمراد من قوله : « لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » هو إخلاص العبادة للَّه ، كإخلاص الطاعة « 1 » له ، والشّاهد على ذلك قوله سبحانه : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » « 2 » . فإنّ وزان قوله : « ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » وزان قوله : « ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » والمشار إليه في الجملة الأُولى هو الدين الحنيف الخالص عن الشرك ، بإخلاص العبادة والطاعة له سبحانه . ثانياً : يمنع كون العبادات داخلة في الإسلام حتّى في قوله سبحانه : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » ، وقوله تعالى : « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً . . . » ، لأنّ المراد منه هو التسليم أمام اللَّه وتشريعاته ، بإخلاص العبادة والطاعة له في مقام العمل دون غيره من الأوثان والأصنام ، وبهذا المعنى سمّي إبراهيم « مسلماً » في قوله تعالى : « ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 3 » ، وبهذا المعنى طلب يوسف من ربّه أن يميته مسلماً قال سبحانه حكاية عنه : « تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » « 4 » ، إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول إخلاص العبادة له ، والتجنّب من الشّرك ، فلو فرض أنّ العبادة داخلة في مفهوم
--> ( 1 ) . المراد من الدين في قوله : « مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » هو الطاعة . ( 2 ) . الروم : 30 . ( 3 ) . آل عمران : 67 . ( 4 ) . يوسف : 101 .